الشيخ محمد الصادقي الطهراني

431

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لاإِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 21 : 88 ) . إنه أبق إباق العبد من مولاه ، أبق من تكميل الرسالة وتتميم الدعوة ، مغاضبا مع قومه ، فظن أن لن يقدر اللّه : يضيق اللّه : عليه في هذا الإباق ، فساهم فكان من المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم نفسه أن كان من الظالمين : المنقصين في بلاغ الرسالة ، ولولا أن تداركه من ربه نعمة التسبيح للبث في هذا السجن إلى يوم يبعثون ، فنبذه بالعراء لما سبح ، وأرسله ثانية إلى قومه : إلى مائة الف أو يزيدون ، فآمنوا فمتعهم اللّه إلى حين : فَلَوْ لاكانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 10 : 98 ) . فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ : حكم الاستقامة في الدعوة : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ ( 11 : 112 ) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاتَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ( 46 : 35 ) : هذا - وحكم اللّه في هؤلاء الماردين يوم الدنيا ويوم الدين ، يوم في حريق الحرب كما حان حينها منذ الهجرة ، ويوم في حريق النار يوم القرار ولا فرار ! وَلاتَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ : يونس صاحب السجن الحي السابح في اليم ، إِذْ نادى ربه فيه وَهُوَ مَكْظُومٌ : مكظوم الغضب عن قومه لما عرف خطأه في التعجيل ، وتركه واجب التأجيل لَوْ لاأَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ : أن كظم غيظه وغضبه ، ووفقه للتوبة والتسبيح لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ولكنه سبح ربه وتاب فنبذ بالعراء وهو ممدوح ، فلقد كان بانتظاره عذاب دائب يوم الدنيا : فَلَوْ لاأَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ دون نبذ بالعراء مذموما أو ممدوحا ، لو أنه ترك كل الواجب قديما وفي السجن ، ولكنه كان من المسبحين هنا وهناك ، ولقد نجاه تسبيحه أن نبذ بالعراء ، وكان يبقى عليه الذم لو لم يكمل التسبيح بما أنعم عليه ربه من الاعتراف بالظلم ، ومن التوبة النصوح ، وكظم الغيظ ، فنبذ بالعراء ممدوحا فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ : لتكميل الرسالة : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْناهُ إِلى